أحمد بن الحسين البيهقي

35

شعب الإيمان

باب حقيقة الإيمان قال أبو عبد اللّه الحليمي - رحمه اللّه تعالى - : « الإيمان مشتقّ من الأمن الذي هو ضدّ الخوف » كما قال اللّه عزّ وجلّ : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً . فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ . . . . [ البقرة : 239 ] الآية . ومعناه والغرض الذي يراد به عند إطلاقه هو : التصديق والتحقيق . لأنّ الخبر هو القول الذي يدخله الصدق والكذب . والأمر والنهي كل واحد منهما قول ، يتردّد بين أن يطاع قائله ، وبين أن يعصى ، فمن سمع خبرا فلم يستشعر في نفسه جواز أن يكون كذبا ، وأعتقد أنه حق وصدقّ ، فكأنما آمن في نفسه باعتقاد ما اعتقد فيما سمع - من أن يكون مكذوبا أو ملبسا عليه . ومن سمع أمرا أو نهيا ، فاعتقد الطاعة له ، فكأنما آمن في نفسه - باعتقاد ما اعتقد فيما سمع - من أن يكون مظلوما أو مستسخرا أو محمولا على ما لا يلزمه قبوله والانقياد له . فمن ذهب إلى هذا ، أنزل قول القائل : آمنت بكذا - والمراد امنت نفسي - منزلة قولهم : وطنت نفسي أو حملت نفسي على كذا . أو يكون تركهم ذكر النفس في قولهم : « آمنت » اختصارا لكثرة الاستعمال ، كما يقال : بسم اللّه - بمعنى بدأت أو أبدأ بسم اللّه - . قال : وفيه وجه آخر : وهو أن يكون معنى آمنت : أي آمنت مخبري أو الداعي لي من التكذيب ، والخلاف بما صرّحت له به من التصديق والوفاق . ثم الإيمان الذي يراد به التصديق لا يعدّى إلى من يضاف إليه ويلصق به إلا بصلة . وتلك الصلة قد تكون باء ، وقد تكون لاما . وقد ورد الكتاب بكل واحد منهما . فالإيمان باللّه عزّ وجلّ ثناؤه : إثباته والاعتراف بوجوده ؛ والإيمان له : القبول عنه والطاعة له .